إنهم يقتلون الحياة
6 نوفمبر, 2007
أمسكت الصغري بيد والوسطي باليد الأخري والكبري سبقتهم بخطوات
كل واحدة منهن كانت لها طلب فقد وعدهن الأب أن يأخذهن إلي الدكان ليشتري لهن الحلوي، أكل لقمة وشرب كوب شاي وهن متحلقات حوله0 ربما خطر في ذهنه سؤال حرق قلبه، وأربك عقله، ربما أعمي السؤال الحارق قلبه وقتل في روحه الرحمة0
ربما اقتربن منه مؤكدات له إنهن ينتظرن الإجابة عن السؤال الحارق لثلاث طفلات الكبري عمرها ثماني سنوات، والوسطي عمرها خمس سنوات، والصغري عمرها أربع سنوات0
ثلاثة أفواه مفتوحة تطلب الثلاث وجبات، وأجساد تطلب كسوة الشتاء والصيف، وسنوات أمامهن تتطلب الرعاية والتربية – لن نقول والتعليم0 لأنه ترف، ولا ضرورة له في بيوت الجوعي الفقراء0
كل هذا فجر بالسؤال الحارق: من أين سيطعم هذه الأفواه المفتوحة، ويشد الأجساد، ويواصل اللهاث خلف السنوات الطويلة الممتدة أمامه وأمامهن ، وهو واحد من الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر في بلادنا، واحد من يدفعون يوميا فاتورة سياسات الحكومة التي قضت علي الأخضر واليابس في هذا البلد، وقضت علي كل حلم أو أمل في غد أكثر إنسانية0
وبقية الحكاية نعرفها، فقد نشرتها الصحف في صفحات حوادثها ذاكرة أن أبا من إحدي مدن صعيد مصر تجرد من مشاعر الأبوه واصطحب بناته الثلاث لشراء حلوي لهن، وقام بإغراقهن في الترعة وهرب0
وذكرت الصحف أن الأب تخلص من بناته بسبب الخلافات الدائمة بينه وبين زوجته بسبب نفقات العيال والبيت0 فهو لا ينفق لأنه لا يملك ما ينفقه، والبيت والعيال والحياة كلها لا تنقضي ولا تستمر بدون نفقات0
فتجرد من مشاعر الأبوة وأغرقهن 0
قبله بعدة أشهر أي في عامنا هذا، تجرد أب من المسئولية وشنق نفسه، وفي عامنا هذا تجرد أب آخر من «الصبر» وشنق نفسه، وثالث ورابع وخامس تجردوا من كل ما يربطهم بالحياة، وبالرغبة فيها فأنهوها0
هل نسأل لماذا ينتحر المصريون الآن، ولماذا يقتلون أولادهم ، ولماذا يهربون ويتركون كل شيء خلفهم، إن كانت زوجة أو أولاد أو أباء وأمهات، يهربون من العيون التي تطالبهم باللقمة والهدمة وقرص الدواء؟
لماذا؟ ليس لأنهم فقراء فحسب، فنحن جميعا في هذا البلد أصبحنا فقراء0 ولكن لأنهم معدمون بلا حد أدني للدخول، وإن تحقق حد الكفاف فهو لا يكفي لصون الكرامة أمام العيون التي تطلب، ولا لسد البطون التي تعوي من الجوع0
لماذا؟ لأننا محكومون بسياسات فاشلة أغرقت البلاد في الديون، ودمرت اقتصادها0 دمرت المصانع وباعتها بتراب الفلوس، وبورت الأراضي الزراعية لتبني عليها الحوائط الخرسانية، وأهدرت الطاقة والمال والماء بدعوي زراعة الصحراء، أطلقت يد الفساد لتغرف من المال العام وتقطع من لحمنا الحي ولا تشبع0
بدون أرقام أو فزاعات من السادة المسئولين فحال الفقراء أبلغ من كل الأرقام، وأقوي من كل فزاعات الذين خربوها وجلسوا علي تلها0
Entry Filed under: بوح. .
Trackback this post