الخصخصة وسياسات تدمير الوطن
7 نوفمبر, 2007
أعلن النظام في عام 1991 عن بدء ما اسماه بتطبيق سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي (الإصلاح الاقتصادي) زاعما انه يتجه لهذه السياسات مستهدفا – اوهكذا ادعى- تخفيض عجز الموازنة العامة، وخفض معدلات التضخم، واصلاح نظام صرف الجنية المصرى، وتحسين وضع ميزان المدفوعات، وزيادة معدل النمو الاقتصادى.
وهى كلها دعاوى رد عليها المتخصصون، والرد لايحتاج حتى لمتخصصين لانه لايمكن الحديث عن زيادة معدل النمو الاقتصادى ببيع الشركات والمصانع المملوكة للدولة اى المملوكة للشعب، اى تجرف اصول البلد الاقتصادية ببيعها. كما ان مزاعم النظام وسياساته قد رد عليها رقم واضح وصريح
ثمن هذه السياسات. وكما يعرف اصغر طالب دارس للاقتصاد ان الاصلاح الاقتصادى- ذلك المصطلح سيىء السمعة-لا يتحقق الا بالانتاج وإنشاء مشروعات تضاف للمشروعات القائمة وليس بيع ما هو قائم وتبديدة.
وبمناسبة مرور خمسة عشر عاما على الخصخصة فإننا سنقدم ليس كل الحالات ولكن مجرد نماذج لما تم بيعة وبأية شروط وفي اية ظروف تم هذا البيع حتى نضع الصورة القاتمة كلها في اطار واحد، وسوف نقدم النماذج الاكثر فجاجة والتى صاحب بيعها ملاحظات واتهامات بالفساد والتربح والسعى العمدي لتدمير اقتصادنا القومى. وبداية نذكرأن النظام في بداية الخصخصة زعم انه لن يقدم إلا على بيع الشركات الخاسرة ومع ذلك تم بيع شركات كانت تحقق ارباحا وصلت نحو 100% من اصوله، وهى عمليات تمت في عهد وزارات كمال الجنزورى وعاطف عبيد ثم احمد نظيف وقد وصفت بانها وزارات قادت اكبر عمليات تخريب للإقتصاد المصرى بشكل لم يتعرض لة طوال تاريخة الحديث.
وهنا لابد ان نذكر انه وفي عام 1991 كان المطروح للبيع 314شركة الرابح منها اى التى كانت تحقق ارباحا ومع ذلك تم عرضها للبيع 254 بينما الخاسر منها لم يتجاوز الـ60شركة.
الحكاية اكبر من عمر افندى
سوف نبدأ باخر الصفقات واكثرها دويا؛ وهى صفقة بيع شركة عمر افندى التى تحولت عملية بيعها الى فضيحة سياسية بكل المقاييس، تلك الفضيحة التى فجرها المهندس يحيى حسين احد أعضاء لجنة التقييم التى قيمت الشركة بمبلغ مليار و140 مليون جنيه في حين اصر الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمارعلى بيعها بنصف مليار جنية، أي باقل من نصف ما قدرت به، وكما تابعنا كيف سارت الصفقة وكيف انتهت كما قدرها محيي الدين، فأى استثمار هذا وهو لايعرف الا البيع وبيع ما لا يملك لاهو ولا نظامه. واخيرا انتهت الصفقة وتم بيع شركة عمر افندى للمستثمر السعودى صاحب شركة “انوال السعودية” بمبلغ 589.5 مليون جنيه وهو مبلغ لايساوى ثمن الارض المقام عليها 82 فرعا هى فروع الشركة بمحافظات مصر ولا يساوى ما تملكه الشركة من مخازن واسطول ضخم للنقل واستراحات وشقق وكانت لجنة التقييم قد قدرت بعض الفروع بما هو اكثر مما عرضه المستثمر السعودى الذى اصر محيي الدين على اتمام الصفقة له، ولن نبكى على ضياع أكثر من نصف مليار جنيه هى الفرق بين ثمن البيع والقيمة التى قدرتها لجنة التقييم.
فقد سبق وضاعت مليارات في عمليات بيع سابقة ولكننا سنظل نتسأل عما وراء هذه الصفقة وعن ماخفي منها وان كنا الان ننتظر ما سيحدث للشركة العريقة في ظل البيع وما سيحدث للعمالة بها البالغة 5929عاملاً.
نقول لن نتباكى على نصف مليار ضاعوا في صفقة عمر افندى لاننا بالعودة لعام 1993 سنكتشف ان الامر اكبر بكثير واكثر خطورة مما نتصور فقد قدر البنك الدولى وعدد من الهيئات العالمية قيمة شركات القطاع العام بمبلغ500 مليار جنية، كما قدر مركز الاهرام للدراسات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومى قيمة نفس الشركات بمبلغ 500 مليار جنية،ومع ذلك فقد تم بيع 241 شركة من اجمالى 314شركة بحصيلة بيع 16مليار و741 مليون جنيه وبهذه الاسعار فان حصيلة بيع القطاع العام كله كما قدر المتخصصون لن تتجاوز 22مليار جنيه فأين ذهب هذا الفرق الهائل بين التقيمات الدولية والهيئات المحايدة وبين الواقع الفعلى؟ وكيف تم بخس قيمة الشركات بهذا الشكل؛ ومن المسئول؟ ربما يجيب عن الاسئلة بعض نماذج البيع الفجة التى سنذكرها. ونؤكد اننا ضد بيع القطاع العام بأى ثمن ونؤكد أيضاً اننا مع تطوير ووضع خطة لإدارته وليس خططا لنهبه.
عصب صناعى كبير
صفقة بيع شركة النصر للغلايات –المراجل البخارية هى احدى الصفقات الصارخة بالفساد الذى يمكن ان توصف به عمليات الخصخصة، وهى عنوان صارخ على التفريط في شركة تنتج انتاجا حيويا ندلل عليه بالتعريف بالشركة التى انشأت لانتاج أوعية الضغط من طن واحد الى 12 طناً وبسعات تصل الى 1300 طن بخار في الساعة؛ ومراجل توليد الكهرباء؛ وأوعية غازات سائلة؛ ووحدات تنقية مياة الشرب؛ وتحلية مياه البحر. فالشركة انشأت لتزويد المستشفيات والمصانع ومحطات الطاقة النووية بالمراجل والاوعية.
واقيمت الشركة على مساحة 31 فداناً في منطقة منيل شيحة على النيل مباشرة، وكانت تضم قبل الخصخصة 1100عامل، وتحقق ارباحا مرتفعة منذ انشائها وحتى عام 1991.
فماذا حدث؟ سؤال يمكن ان تتضح بجلاء الاجابة عنه عندما نذكر ان الشركة كانت تتبع قبل خصخصتها الشركة القابضة للصناعات الهندسية التى كان يرأس مجلس ادارتها المهندس”عبد الوهاب الحباك” بطل قصة من اشهر قصص الفساد في مصر، واذا كان هذا هو الرجل الجالس على قمة الشركة التى تتبعها شركة المراجل البخارية – النصر للغلايات- فنحن لا نتجاوز إذا قلنا أن ادارته لها دفعت بها عن عمد الى الهاوية، وإلى بتحويلها من شركة رابحة الى شركة خاسرة في خطة محكمة مستهدفة في النهاية التخلص منها وبثمن بخث.
ولن نستبعد الاتهام بالتآمر على الشركة فليس مقبولا ولا معقولا ان تتم عمليات توسع استثمارية لشركة هناك مخطط لبيعها؛ الا اذا كان الهدف جعلها شركة خاسرة وإغراقها في الديون، ولابد ان نتذكر ايضا وما نتمنى ان يكشفه التاريخ وهو حوادث انفجار الغلايات قبل خصخصة الشركة بعدة شهور، وقيل وقتها ان الانفجارات حدثت بسبب عيوب في التصنيع، أليس هذا السبب مثير للتساؤل والاتهام؟ كيف لشركة أنتجت إنتاجا جما ومطابقا للمواصفات الفنية ولعشرات السنوات؛ ان تنتج فجأة وقبل البيع بعدة شهور انتاجا غير مطابق للمواصفات او معيوب الا اذا كان هناك اهمال متعمد في مراحل الانتاج المختلفة في منتج بهذه الاهمية والخطورة ولا يحتمل خطأ او عبث مهما كان طفيفا؟
ولم تقف المؤامرة الموجعة عند حد بيع آلات المصنع خردة-اعلن عن بيعها بالصحف- بل هناك حلقة أحكمت اغلاقها على الشركة وعلى حق مصر في وجودها المهم، فقد اسندت عملية التقييم الى بيت خبرة أمريكي وقدر الشركة بما يتراوح بين 16 و 24مليون دولار، وهو سعر لايساوى أقل من ربع سعر الارض المقامه عليها الشركة في ذلك الوقت والذى كان يساوى نحو 100مليون دولار اى حوالى 330مليون جنيه باسعار 1994 وهو العام الذى حصل فية مجلس ادارة الشركة على موافقة الجمعية العامة لشركة الصناعات الهندسية ببيع الاصول الثابتة للشركة بمبلغ 11مليون دولار، وبيع المخزون بمبلغ 6مليون دولار ليصبح ثمن الشركة كاملا 17مليون دولار وتم بيعها بهذا المبلغ لشركة امريكية – كندية.
وتكتمل حلقة الفساد واهدار المال العام، وتختنق برائحة العفن عندما يتم اعفاء الشركة الكندية الامريكية من سداد الضرائب والديون المستحقة على شركة النصر للغلايات، وبعد خصم هذه المستحقات من الثمن الذى قدرت به الشركة ليصبح المتبقى من ثمن الشركة 2.5 مليون جنيه مصرى اى اقل بكثير من ثمن شقة من الشقق الحديثة المبنية على نيل القاهرة، وكأن الفساد مخطط او هو الخطة الوحيدة في بلادنا. فبعد بيع الشركة تم اسناد عملية إنشاء محطة كهرباء الكريمات بقيمة 600 مليون دولار الى شركة المراجل البخارية المصرية!! هل هناك دليل اقوى من ذلك على انه خلف العملية كلها ايادى ملوثة وفاسدة خططت ونفذت وتقاضت اتعاب بيع احد اعمدة اقتصادنا الوطنى،ولتتضح المؤامرة أكثر فلابد ان نذكر انه كانت هناك عروض اخرى من شركات ايطالية وفرنسية ويابانية وكان من بينها عرض بشراء الشركة بعشرة مليون دولار مع سداد ديونها والضرائب المستحقة عليها ولكن المسئولين اختاروا العرض الاسوأ, ويتوقف انتاج الغلايات العملاقة التى تعتمد عليها محطات الكهرباء ومحطات الطاقة النووية, فقد قررت الشركة الامريكية الكندية ان تقوم مصر بشراء المراجل البخارية من الخارج بدلا من انتاجها لنفقد واحدة من اهم صناعاتنا الوطنية، ويفقد العمال عملهم وتضيع سنوات خبرتهم العظيمة في هذه الصناعة العظيمة ايضا. فلم توفر لهم الصفقة من حقوقهم سوى البقاء في الشركة ثلاث سنوات بعدها خرجوا للمعاش المبكر وانضموا لطابور البطالة وعاشوا مرارة تجربة هدر الطاقة وتبديد الثروة.
تخسير الشركات تمهيدا لبيعها
لسنا مهوسيين بنظرية المؤامرة ولكن بماذا نفسر ما حدث في شركة”النشا والجلكوز” بداية قدرت الشركة حسب التقييم الدفترى بمبلغ 161مليون جنيه ومع ذلك فقد تم بيعها لمستثمركويتى –ناصر الخرافي- بمبلغ 26مليون جنيه وليس الغموض او السؤال في الفارق بين التقييم والثمن، بل يكمن فيما حدث قبل البيع؛ ففي عام 1996 وقبل البيع بعدة شهور انفقت الملايين على الشركة رغم نية البيع!! فقد تم انشاء محطتين بيولوجيتين لمعالجة مياة الصرف الصحى تكلفا 22مليون جنية، كما اجريت عمليات احلال وتجديد في غلايات البخار وخط الغاز الطبيعى تكلفت هذه العملية وفقا لشهادة اعضاء اللجنة النقابية اكثر من 30 مليون جنيه وبحسبة بسيطة فقد انفق على الشركة 52 مليون جنيه بداية لاثبات انها تخسر او لتخسيرها ثم لتقديمها كاملة مكملة وبيضة مقشرة للمشتري. بهذا المعنى نكون نحن الذين دفعنا له واعطيناه من مالنا العام مصنعا مجهزا بآلاته وارضه وعماله الذين تخلص منهم بعد ذلك.
وبينما كان عمال مصنع غزل قليوب الأربعمائة مضربين عن العمل احتجاجا على مؤامرة بيع مصنعهم كانت عملية البيع التى وصفها العمال بالعملية المشبوهة والفاسدة تتم في تكتم شديد. وبالفعل تم بيع المصنع المقام على مساحة 9أفدنة والذى يساوى حسب التقييم الدفترى 60مليون جنية، وقد تم بيعه بمبلغ 4 ملايين جنية!!، ليست هذه النهاية للصفقة، ولكن كان قبلها تفاصيل اخرى يذكرها العمال ويضعون تحتها عشرات الخطوط ومن اهمها انه وقبل البيع قامت الشركة بتحديث الماكينات والالات بمبلغ 7ملايين جنية، لن نحتاج لالة حاسبة لنحسب حجم خسارتنا واهدار مالنا العام ولكن كيف ومتى سنحاسب من ارتكبوا هذه الجريمة؟.
ويبدو انها جريمة مكتملة الأركان ضد صناعة الغزل والنسيج في مصر، وكأنهم يريدون أن يمحوا تاريخا عريقا لنا في هذه الصناعة, فقد تم بيع مصنع غزل شبين رغم ان الشركة كانت تحقق ارباحا سنوية قدرها 12مليون جنيه وتم بيعها بمبلغ 170مليون جنيه وبالتقسيط على دفعات بينما تقييمها وفقا للشركة القابضة للغزل والنسيج وصل الى 325 مليون جنية، ورغم ان الشركة تمتلك اصولاً ثابتة ومتحركة عبارة عن وديعة(94 مليون) جنيه ونادى غزل شبين ومساكن للعمال ومستشفي-كان للعمال نادى ومساكن ومستشفي- وكانوا 5000 عامل عند البيع راكموا خبرة ومهارة أهدرت مع إهدار المصنع وقيمته.
فروق الارباح
نقدم نموذجا اخر ونصف ما تم فيه بالفساد؟ انها صفقة بيع أو خصخصة شركة “الزجاج المسطح” المنتجة للزجاج المسطح وهى واحدة من الشركات النادرة المتخصصة في هذا المجال في الدول النامية عموما وفي المنطقة بشكل خاص. لذا فقد قدرت أرباحها الاجمالية خلال الفترة من شهر سبتمبر سنه2000 وحتى سبتمبر سنه2001 حوالى 50.3مليون جنية،وبلغ صافي الارباح 27.1 مليون جنيه عن نفس الفترة وهنا نقف عند الفارق الرهيب بين اجمالى الربح وصافي الربح الامر الذى يطرح تساؤلات حول أوجه الإنفاق التى تستقطع من اجمالى الارباح هذا الفارق، ولنا ان نعرف ومن حقنا ان نجد اجابه عن سؤالنا وهو كيف انفقت هذه الملايين التى تمثل الفرق بين اجمالى الربح وصافي الربح؟ وما هى حدود السفه الذى أدى لهذا الفرق، ومع ذلك فهى شركة رابحة، وقد تم بيعها لمستثمر كويتى بمبلغ 306.3ملايين جنيه وهو ثمن بخس لشركة رابحة وليس لها منافس في الاسواق الداخلية والخارجية وتملك آلات وارض ووصلت استثماراتها قبل البيع الى 600 مليون جنيه فهل كان هناك مبررا لبيعها سوى الحصول على ثمنها حتى تسد به الدولة وحكومات دكاترة الاقتصاد عجزها عن التنمية وادارة الاصول المملوكة للشعب اذا كان الهدف هو تحويل هذه الاصول الى ملايين سائلة تسد فشل الحكومة.
البيع من مستثمر الى مستثمر
ومن اكثر عمليات البيع اثارة للجدل عملية خصخصة الشركة المصرية لتعبئة الزجاجات-شركة بيبسى كولا المصرية -حتى بيعها- ولنبدأ من اول الصفقة فقد عرضت الشركة للبيع في عام 1993 وهى تملك ثمانية مصانع لتعبئة الزجاجات, وثمانية عشر خطا للإنتاج بطاقة خمسين مليون صندوق، وأسطول نقل ضخم يقوم بتوزيع منتجاتها في مصر، وكانت تحقق مبيعات سنوية تتراوح من 70 الى 80مليون جنيه بأسعار ماقبل البيع، وبعد عدة عروض انتهى الامر ببيعها عام 1994 لرجل الاعمال المصري محمد نصير بنسبة49% ورجل الاعمال السعودى محمد بقشان بنسبة 49% اخرى و2% لشركة بيبسى كولا العالمية بقيمة اجمالية157,6مليون جنية.
نلاحظ انه تم بيعها بما يوازى حجم المبيعات من انتاجها قبل البيع ،وبلغت العمالة بها في ذلك الوقت 4160عاملا، وتتوالى المفاجآت وتثار آلاف علامات الاستفهام المصحوبة بالغضب. ففي عام 1995 قام “نصير” ببيع 40% من حصته في الشركة الى مجموعة بقشان السعودية وفي عام 1999 تشترى شركة بيبسي كولا 77% من اسهم الشركة بمبلغ 400مليون دولار- اى من اسهم نصير بعد ان وصلت حصته 28% ومن اسهم بقشان بعد ان وصلت70%- ولنتذكر انهما اشترياها كلها بمبلغ 157.6 مليون جنيه وباعا77%من اسهمها بمبلغ 400 مليون جنية.
وهنا لابد ان نذكر أن من بين الانتقادات التى وجهت لصفقة بيع الشركة ان مصنعى المنيا وبورسعيد قدرا بمبلغ150مليون جنية, ومع ذلك بيعت الشركة كلها بمصانعها الثمانية وخطوط انتاجها واسطول سيارتها بمبلغ 157.6 مليون جنية، ومن بين الانتقادات ايضا ما تم بشأن تقييم سعر الارض المملوكة في الشركة وبعد ان تم بيعها من القطاع العام للقطاع الخاص لم يعد هناك ما يمنع تقسيمها لأرض بناء وبعد بيعهامن مستثمر الى مستثمر وبمرور سنوات على البيع الاول فإن قيمة الارض وحدها تفوق بكثير اجمالى المبلغ الذي بيعت به الشركة كلها يوم باعها القطاع العام .
ورغم الادعاء الفج من قبل وزراء الخصخصة ومنفذيها بأنه لن يتم خصخصة سوى الشركات الخاسرة؛ فقد تم بيع شركة الاهرام للمشروبات كما بيع الكثير من شركات كانت تحقق ارباحا- رغم انها حققت صافي ربح بعد خصم الضرائب في 1994/1995،95 /1996 قدره 45،43 مليون جنية, وكان يعمل بها 3115عاملا وقبل خصخصتها بلغ رأسمالها الدفتري 90 مليون جنية، وقد ثارت حول البيع شبهات فساد انتهى ببيع 75% من اسهم الشركة لمؤسسات امريكية بقيمة 231مليون جنية، ولا نجد مبرراً لبيع شركة رابحة الا الاصرار على تدمير اصول هذا البلد سياسات عموما فاسدة، وكما قلنا فقد اتسمت هذه الصفقة بالفساد الذى وضح وضوح الشمس, ويصيب كل من تسري في عروقه دماء بحرقة الدم والمطالبة بمحاكمة هذا النظام ورموزه.
جدير بالذكر ان الشركة حين تم بيعها كان وقتها عاطف عبيد هو وزير قطاع الاعمال العام، ففي عام 2002 تم إعادة بيع شركة الاهرام للمشروبات من القطاع الخاص الذى اشتراها من القطاع العام بمبلغ 231مليون جنيه الى شركة “هاينكين” العالمية بحوالى 1125مليون جنيه فهل هناك قرينة اقوى من هذه على سياسات التخريب؟
هل مازلنا في حاجة لتقديم مزيد من نماذج البيع التى تمت خلال 51 سنة، وعمليات بيع اهدرت فيها طاقات انتاجية وبشرية, بما يعنى اهدار المستقبل وامكانياته المتاحة، وبيع بلا ضرورة سوى تنفيذ سياسات اقتصادية للنظام القائم وتبعيته الكاملة لتوجهات المؤسسات الدولية في اطار الأندماج مع العولمة الرأسمالية، عموما هذه بعض النماذج, ولن يفوتنا ان نذكر بصفقات اخرى ان لم نستطع محاكمة القائمين بها الان فالتاريخ بيننا وبينهم، فبالاضافة الى ما سبق ذكره سوف نمر على صفقات الفنادق الكبرى التى تم بيعها كما يقال “بتراب الفلوس”مثل فندق الميرديان ذلك الفندق الذى تم بيعه لامير سعودى بمبلغ 75مليون دولار بينما كان سعر المتر للأرض في موقعه الفريد في عام 1993 لايقل عن 130الف جنيه ومساحة الارض تبلغ 121متراً مربعاً ولنحسبها لنجد ان الارض وحدها تساوى 630مليون جنيه اى اكثر من 185مليون دولار باسعار ذلك العام، وكان الفندق قد حقق ارباحا صافية في اربعة سنوات تصل الى الثمن المدفوع فيه، وينسحب الامر وعلامات الاستفهام والشبهات على صفقات بيع فنادق اخرى مثل فندق شيراتون القاهرة الذى بيع بمبلغ135مليون دولار وشيراتون الغردقة وبيع بمبلغ16مليون دولار.
دعم المستثمريين من دمائنا
وضمن كوارث الخصخصة ولن نقول التخبط لان هذا النظام يعلم جيدا موضع قدمه وأي مصالح يخدمها، ولكن بكل المقاييس فهي كوارث ندفع نحن ثمنها, ومن بينها بيع عدد من شركات الاسمنت في مصر. وقد تم بيعها عام 1999 بعد تعيين د.عاطف عبيد رئيسا للوزراء وقد كان يشغل منصب وزير قطاع الاعمال في حكومة د.كمال الجنزورى السابقة على حكومته، وهو كبير منفذي؛ ومسئول عمليات البيع والخصخصة لشركات القطاع العام، وقد تم بيع شركات الاسمنت الى شركات اجنبية لتضع الحكومة – بكامل إرادتها- قطاع الاسمنت الحيوي في مصر في قبضة الاجانب، ومن بين النماذج الصارخة في بيع شركات الاسمنت المصرية شركة اسمنت أسيوط بالرغم من انها في العام المالى 1998/1999 اى قبل خصخصتها مباشرة حققت ارباحا صافية حوالى 136مليون جنيه وكان يعمل بها 3300عامل. والان وبعد حوالى سبع سنوات من بيع شركات الاسمنت فقد خضعت سوق الاسمنت لمافيا تحتكر إنتاجه والتحكم في اسعاره حتى وصل سعره في الاشهر القليلة الماضية الى 400 جنيه للطن، بينما يتم تصديره باسعار اقل بكثير من اسعاره في السوق المحلية،وقد شهد الاسمنت قفزات غير مبررة او مقبولة خاصة ان الشركات المنتجة تحصل على الطاقة باسعار منخفضة، كما تحصل على المادة الخام من المحاجر باسعار زهيدة, وكأن دولتنا قررت دعم المستثمرين الاجانب على حسابنا ومن اموالنا ومن لحمنا الحى، لذا لابد وان ترتفع ارباح هذه الشركات (11) شركة من568مليون جنيه في العام المالى 2002/2003 الى 1725مليون جنيه في العام المالى 2003/2004 وتحقق سبع شركات منها في عام 2005 ارباحا تصل الى1278مليون جنية, ويدخل في الارباح جزء من الانتاج والجزء الاكبر من التعامل في الاوراق المالية او من بيع بعض الاستثمارات طويلة الاجل اى أنها ارباح تتحقق من الفوضى وغياب الرقابة والشفافية والتلاعب باقتصاد البلد بينما السادة القائمين عليه في منتهى الرضا عن انفسهم وعن ادائهم الذى لايمكن ان يسعد احداً سواهم.
لن نطرح اسئلة ساذجة من قبيل هل عجزت الدولة عن ادارة هذه المشروعات؟ ولماذا باعتها وقد كانت تحقق اباحا؟ ولماذا لم تترك المشروعات القائمة المملوكة للشعب وتمنح الفرصة للمستثمرين في اقامة مشروعات جديدة تضاف الى المشروعات القائمة بالفعل؟!
نقول انها اسئلة مردود عليها بان ما حدث هو تنفيذ سياسات اقتصادية ادت الى اهدار مالنا العام والى ضرب الصناعة المصرية في مقتل ونسف ما بنته الاجيال في صرح هذه الصناعات ومع ما صاحب البيع من فساد وما صاحبه من قوانين؛
بداية بقوانين الاعفاءات الضريبية المستفزة للمستثمرين وحتى اسباغ الحماية على كل اشكال الفساد والاهدار للطاقة الصناعية والبشرية في بلادنا، وببساطة شديدة نستطيع جميعا ان نمسك بايدينا بالاثار المدمرة للخصخصة علينا في تفاصيل حياتنا اليومية, وإن كنا سنظل مسئولين عن الاجابة على السؤال كيف نواجة ونقاوم كل هذا الفساد والاهدار؟
***
* نشرت فى العدد السادس من مجلة افاق اشتراكية
Entry Filed under: مشاركات وفاعليات, مقالات. .
Trackback this post